جزء الأخير من تفسير سورة يس
﴿يا حسرةً على العباد ما يأتيهم من رسولٍ إلا كانوا به يستهزئون﴾
ينادي الله نداء تحسّرٍ وأسفٍ على هؤلاء البشر الذين ما أرسل إليهم رسولًا إلا قابلوه بالسخرية والاستهزاء، وكأنهم وُلدوا ليكفروا بالحق ويُعرضوا عن الهدى.
﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون﴾
أي: ألا يرون كم من الأمم السابقة أهلكناها بسبب تكذيبها؟ أولئك ذهبوا ولن يعودوا، فليتعظوا قبل أن يصيبهم ما أصابهم.
﴿وإن كلٌّ لما جميعٌ لدينا محضرون﴾
أي: كل الأمم والأجيال سيُحضرون يوم القيامة أمام الله للحساب، لا يغيب منهم أحد.
﴿وآيةٌ لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون﴾
يُذكّرهم الله بدليلٍ محسوسٍ على قدرته: الأرض التي كانت جرداء هامدة، فإذا نزل المطر دبت فيها الحياة، وأنبتت الزرع الذي يأكلون منه.
﴿وجعلنا فيها جنّاتٍ من نخيلٍ وأعنابٍ وفجّرنا فيها من العيون﴾
أي: زينّاها بالجنّات والأنهار والثمار، ليشكروا لا ليكفروا.
﴿ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون﴾
أي: أكلوا من رزقٍ لم يخلقوه بأيديهم، بل هو من فضل الله، أفلا يشكرونه على نعمه؟
﴿سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون﴾
أي: تنزيهٌ لله الذي خلق كل شيءٍ مزدوجًا: من النبات، ومن الإنسان، ومن مخلوقاتٍ لا يعلمها البشر، دلالة على كمال قدرته ووحدانيته.
﴿وآيةٌ لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون﴾
أي: نُجلي ضوء النهار حتى يخرج منه الليل، فيعمّ الظلام، وهذه دورة كونية عظيمة تدل على النظام الدقيق في الخلق.
﴿والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾
أي: تسير في فلكها بانتظامٍ حتى تصل إلى نهايةٍ مقدّرة، وهذا كله بتقدير العليم الحكيم.
﴿والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم﴾
أي: جعل له منازل حتى يصير في آخر الشهر دقيقًا منحنِيًا كعود السعف اليابس.
﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌّ في فلكٍ يسبحون﴾
أي: لا تختلط حركة الشمس بالقمر، ولا الليل يتقدّم النهار، بل كلٌّ يسير بانتظامٍ في مداره كما أراد الله، في مشهدٍ من أعظم مشاهد القدرة.
﴿وآيةٌ لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾
أي: ومن دلائل قدرتنا أننا أنجينا أصولهم (آباءهم) في السفن المملوءة كفلك نوح.
﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾
أي: وخلقنا لهم أنواعًا أخرى من وسائل الركوب كالدواب والسفن الحديثة.
﴿وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم يُنقذون﴾
أي: لو أراد الله لهلكوا غرقًا، ولا منقذ لهم إلا رحمته.
﴿إلا رحمةً منا ومتاعًا إلى حين﴾
أي: نُنجيهم رحمةً منّا، ونمكّنهم من العيش إلى وقتٍ مقدّر.
﴿وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم تُرحمون﴾
أي: يُنذَرون بالآخرة والعذاب القادم، فيُطلب منهم التوبة والخشية، لعلهم يُرحمون، لكنهم يعرضون.
﴿وما تأتيهم من آيةٍ من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين﴾
كل آيةٍ يرونها من دلائل قدرة الله يتجاهلونها.
﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلالٍ مبين﴾
قال الكفار مستهزئين: “لماذا نُطعم الفقراء؟ لو شاء الله لأطعمهم بنفسه”، فجمعوا بين البخل والجهل والاعتراض على قضاء الله.
ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾
أي: يسألون استهزاءً متى يأتي يوم القيامة الذي تعدوننا به؟
﴿ما ينظرون إلا صيحةً واحدةً تأخذهم وهم يخصّمون﴾
أي: لن ينتظروا طويلًا، فمجرد صيحةٍ واحدةٍ من السماء تُبيدهم، وهم في غمرة جدالهم ولهوهم.
﴿فلا يستطيعون توصيةً ولا إلى أهلهم يرجعون﴾
أي: تأتيهم الساعة فجأة فلا يقدر أحد أن يوصي ولا يودّع أحدًا.
﴿ونُفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسِلون﴾
أي: حين يُنفخ في البوق يخرج الناس من قبورهم مسرعين إلى ربهم للحساب.
﴿قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾
يتعجبون من بعثهم بعد الموت، فيدركون حينها صدق الأنبياء.
﴿إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم جميعٌ لدينا محضرون﴾
أي: نفخةٌ واحدةٌ تجمع الخلق كلهم بين يدي الله للحساب.
﴿فاليوم لا تُظلم نفسٌ شيئًا ولا تُجزون إلا ما كنتم تعملون﴾
أي: يُقضى بالعدل، فلا يُظلم أحد، وكلٌ يُجزى بعمله.
﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغلٍ فاكهون﴾
أي: أهل الجنة في نعيمٍ دائم، مشغولون باللذة والسرور.
﴿هم وأزواجهم في ظلالٍ على الأرائك متكئون﴾
أي: يجلسون مع أزواجهم على الأسرّة المزخرفة في ظلالٍ من الراحة والرضا.
﴿لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يدّعون﴾
أي: كل ما يشتهونه يجدونه حاضرًا.
﴿سلامٌ قولًا من ربٍ رحيم﴾
أعظم ما يُعطَون: سلامٌ من الله نفسه، جلّ شأنه، وهو قمة التكريم والنعيم.
﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾
أي: يُقال للكافرين يوم القيامة: انفصلوا عن المؤمنين، فقد حان حسابكم.
﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين﴾
أي: ألم أوصكم في الدنيا أن لا تتبعوا الشيطان؟ فقد كان عدوكم منذ الأزل.
﴿وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيم﴾
أي: اعبدوا الله وحده، فهو الطريق الحق.
﴿ولقد أضلّ منكم جبِلًّا كثيرًا أفلم تكونوا تعقلون﴾
أي: لقد أغوى الشيطان جماعاتٍ كثيرة من البشر، فهلا استخدمتم عقولكم؟
﴿هذه جهنم التي كنتم توعدون﴾
ها هي النار التي كنتم تكذبون بها.
﴿اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون﴾
أي: ذوقوا حرّها جزاء كفركم.
﴿اليوم نَختم على أفواههم وتُكلّمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾
أي: تُخرس الألسن، وتنطق الجوارح بأعمالها، فيكون العدل الكامل أمام الله.
﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يُبصرون﴾
أي: لو أراد الله لأعمى أبصارهم عن طريق الحق في الدنيا، فلا يهتدون أبدًا.
﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيًا ولا يرجعون﴾
أي: لو شاء الله لجعلهم كالحجارة لا يتحركون ولا يعيشون.
﴿ومن نُعمّره نُنَكّسه في الخلق أفلا يعقلون﴾
أي: من طال عمره، رُدّ إلى الضعف والهرم بعد القوة، أليس في ذلك عبرة؟
﴿وما علّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكرٌ وقرآنٌ مبين﴾
أي: القرآن ليس شعرًا كما زعم الكفار، بل هو وحيٌ من الله فيه البيان والهداية.
﴿لينذر من كان حيًّا ويَحقّ القول على الكافرين﴾
أي: ليوقظ القلوب الحية التي ما زال فيها إيمان، وليتمّ العذاب على من كفر.
﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون﴾
أي: جعلنا لهم الأنعام مملوكةً ينتفعون بها من لبنٍ وركوبٍ وطعامٍ.
﴿وذلّلناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾
أي: سخّرناها لهم تسخيرًا كاملاً.
﴿ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون﴾
أي: أليست هذه النعم كافية ليشكروا الله؟
﴿واتخذوا من دون الله آلهةً لعلهم يُنصرون﴾
أي: عبدوا أصنامًا لا تضرّ ولا تنفع.
﴿لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جندٌ محضرون﴾
أي: تلك الآلهة تكون عليهم وبالًا، لا نصرًا.
﴿فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يُسرّون وما يعلنون﴾
أي: لا تحزن يا محمد من استهزائهم، فالله يعلم سرّهم وعلنهم وسينتقم منهم.
﴿أولم يرَ الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيمٌ مبين﴾
أي: كيف يتجرأ الإنسان على مجادلة خالقه، وهو أصله ماءٌ مهين؟
﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾
أي: أنكر البعث وقال مستهزئًا: “من يحيي العظام إذا بَلِيَت؟”
﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلقٍ عليم﴾
أي: الذي خلقها أول مرة قادرٌ على إعادتها.
﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون﴾
أي: كما أخرج الله النار من الشجر الأخضر الرطب، يقدر أن يُخرج الحياة من الميت.
﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادرٍ على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلّاق العليم﴾
أي: من خلق هذا الكون العظيم، أفيعجز عن بعث البشر؟!
﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾
كلمة واحدة من الله تكفي لإيجاد ما يشاء.
﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيءٍ وإليه تُرجعون﴾
تنزيهٌ لله الذي بيده ملك كل شيء، وإليه المصير والرجوع، فلا ربَّ سواه ولا معبود بحقٍّ غيره.
خاتمه :
سورةُ يس مرآةُ القدرة الإلهية،
افتُتحت بالقَسَم على صدق الرسالة، وسُيقت فيها مشاهدُ من الماضي والعبرة، لتُذكّر أن القلوب التي تُعرض عن الحق، إنما تختار الهلاك بيديها.
تتجلّى في آياتها عظمة الخالق في كل شيءٍ: في زرعٍ ينبت من تراب، وفي ليلٍ يُسلَخ من نهار، وفي شمسٍ وقمرٍ يسيران بقدرٍ لا يزيغ، وفي إنسانٍ نُفخ فيه من روح الله ثم نسي خالقه فخاصمه.
ثم تختم السورة بتوحيدٍ مطلق:
أنّ الله وحده صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون،
وتُردّد الألسن في الختام تسبيحًا يليق بجلاله:
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيءٍ وإليه تُرجعون.


جزاك الله كل خير ياشهد، كانت تصلني نصوصك على الإيميل في اثقل ايامي فتُلهمي قراءة التفسير والتدبر. جعل الله كل حرف تكتبين شاهدًا لك 🩷🩷🩷🌧️
جزاج الله خير بارك الله بيج ، ممكن نفسرين سورة الملك 🤍