العقل البشري والذاكرة: لماذا نتذكر موقف محرج قبل عشر سنوات وننسى أين وضعنا الهاتف قبل خمس دقائق؟
العقل البشري ذلك الكيان المهيب المرهف، أشبه
بمدينة مكتظةٍ بالشوارع والأنفاق، يفيض بالأنوار حينًا، ويغرق في الظلال حينًا آخر. والسؤال الذي يلحّ على المرء: ما سرّ تلك المفارقة الغريبة التي تجعلنا نستدعي موقفًا محرجًا من عقدٍ مضى بكل تفاصيله وارتعاشاته، بينما نعجز عن تذكّر موضع الهاتف الذي تركناه قبل خمس دقائق؟
الجواب يكمن في جوهر عمل الذاكرة، تلك الشبكة المتشابكة التي لا تُخزن الأحداث كما يخزن القرص الصلب، بل وفق نظامٍ هرميّ يعتمد على الانفعال، الأهمية، والسياق. الذاكرة البشرية تنقسم إلى أنماط؛ منها الذاكرة قصيرة الأمد (Short-term memory) التي تُشبه لوحًا من الرمل تذروه الرياح بأيسر نسمة، ومنها الذاكرة بعيدة الأمد (Long-term memory) التي تُرسَم على صخرٍ صلد لا يمحوه الزمن بسهولة. حين تنسى موضع الهاتف فأنت في الحقيقة تواجه ضعف تثبيت المعلومة في ذاكرة العمل، لأن الدماغ لم يعتبرها ذات أولوية قصوى، فتم التعامل معها كأثر عابر لا يستحق التخزين العميق.
أما تلك المواقف الحرجة القديمة، فهنا يتدخل اللاعب الخفي: اللوزة الدماغية (Amygdala)، مركز الانفعال والخوف. عند وقوع تجربة محرجة، تنشط اللوزة فتغمر الدماغ بمواد كيميائية كالـ نورإبينفرين، فتمنح التجربة ختمًا أحمر لا يُمحى بسهولة. هذه الآلية ذات طابع تطوري؛ إذ كان على الإنسان أن يتذكر مواطن الخطر أو الألم كي لا يكررها في المستقبل، فارتبطت المشاعر الحادة بالذاكرة القوية. ولهذا يُقال إن “الذاكرة خادمة الانفعال”.
وتشير الدراسات إلى أنّ الدماغ ليس مجرد أرشيف، بل آلة إعادة بناء؛ كل مرة نتذكر حادثة، فإننا نعيد صياغتها في أذهاننا، فنثبتها من جديد، وربما نضفي عليها قليلًا من التشويه أو المبالغة. هذا ما يفسر كيف أن ذكرى الإحراج تزداد ثقلاً، بينما موقع الهاتف الضائع يذوب في العدم.
إضافة إلى ذلك، الذاكرة العاملة تشبه مساحة محدودة لا تتسع إلا لعدد ضئيل من العناصر (غالبًا سبعة ± اثنين)، فإذا ازدحمت بالتفكير أو الانشغال الذهني، سقطت بعض التفاصيل البسيطة في الهاوية. أمّا المواقف المقرونة بالحرج أو الخوف، فإن الدماغ يخصص لها طرقًا عصبية محصّنة، أشبه بكتابةٍ محفورة على جدران كهفٍ قديم.
إذن، ما يبدو سخفًا في النسيان القريب ليس إلا آلية بقاء؛ الدماغ يوفّر جهده لحفظ ما يعتبره جوهريًا، تاركًا التفاصيل اليومية للتبديد. وربما كان في ذلك عدل خفي: لو حملنا في عقولنا كل صغيرة وكبيرة، لتحوّلت حياتنا إلى فوضى من الذكريات المزدحمة، ولانفجر الرأس بعبء ما لا يُطاق.
بعبارة مختصرة: نحن نتذكر الماضي البعيد لأنه انطبع بالانفعال، وننسى الحاضر القريب لأنه بلا وزنٍ في ميزان الدماغ. فالمحرج يظل حيًا لأنه أحرق أعصابنا لحظة حدوثه، أما الهاتف الضائع، فببساطة لم ينجح في اجتياز اختبار البقاء في قاعة الذاكرة.


معلومات رائعة وشيّقة، والأروع من ذلك طريقة سردك للمعلومة؛ فقد أعجبتني كثيرًا.
مرررة عجبنيييي تحفففه