تفسير سورة يس (٢)
َاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾
أي يا محمد، قدّم لقومك مثالًا من التاريخ يبيّن لهم عاقبة من كذّب المرسلين، كما فعل قوم تلك القرية التي أتاها رسل الله يدعونها إلى التوحيد.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾
أي بعثنا إليهم رسولين فكذبوهما، فشدّدنا الرسالة وأيدناهما بثالث، حتى لا تكون لهم حجة في التكذيب، وقال الرسل الثلاثة بلسان واحد: نحن مرسلون إليكم من عند الله.
قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾
فجاء ردّ القوم كعادة المكذبين: أنتم بشر مثلنا، فكيف يبعث الله بشرًا رسلًا؟ وزعموا أن الله لم يُنزِل شيئًا من الوحي، وأن دعوى الرسالة كذب وافتراء.
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾
أجابهم الرسل بثباتٍ وعقيدةٍ راسخة: الله يعلم صدقنا، وليس علينا إلا أن نبلّغ رسالته بوضوح، ولسنا نملك إجباركم على الإيمان، فالحساب على الله وحده.
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
فتمادى القوم في الكفر والجهل، وقالوا للرسل: تشاءمنا بكم، ما جئتمونا إلا بالنحس والبلاء، وإن لم تسكتوا عن دعوتكم لنقتلنكم رجمًا، أو نعذبنكم أشد العذاب.
﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾
فردّ الرسل بحكمة: شؤمكم من أنفسكم، وليس منا؛ لأنكم تركتم الحق وأسرفتم في الكفر والمعاصي.
ثم وبّخوهم: أتتشاءمون لأننا ذكّرناكم بالله؟ بل أنتم قوم تجاوزتم كل حدٍّ في الظلم والعناد.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾
وفي وسط هذا الجدل، أشرق نور الإيمان في قلب رجل من أقصى المدينة، أي من طرفها البعيد، لم يسكت، بل جاء يسعى، مسرعًا بحماس المؤمن الصادق، وقال لقومه:
يا قوم، اتبعوا المرسلين، فإنهم لا يدعونكم إلا إلى النجاة.
﴿اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
يدعوهم الرجل بالحجة والعقل: اتبعوا هؤلاء الذين لا يريدون منكم مالًا ولا دنيا، إنما يريدون هدايتكم.
ثم يوجّه إليهم سؤالًا تقريعيًّا: ما لي لا أعبد من خلقني، وهو الذي إليه مرجعكم يوم القيامة؟!
﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾
يُكمل حجّته القوية: كيف أعبد آلهة من دون الله، وهي لا تملك نفعًا ولا ضرًّا؟ لو أراد الله بي سوءًا، لما استطاعت تلك الآلهة أن تشفع لي أو تنقذني.
ثم يقرّ بوضوح: لو فعلت ذلك، لكنت في ضلال بيّن.
﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾
يُعلن إيمانه بجرأة عظيمة أمام قومه، قائلًا: آمنت بربكم الذي أرسلكم به، فاشهدوا عليّ بإيماني.
كانت كلمة صدقٍ قالها بثبات، فثار القوم عليه وقتلوه ظلمًا.
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
فلما قُتل، أكرمه الله مباشرة فقال له: ادخل الجنة.
فدخلها روحًا ونعيمًا، لكنه لم ينسَ قومه، فقال متحسرًا بحبٍّ وشفقة:
يا ليت قومي يعلمون بما أنا فيه من الكرامة والنعيم.
﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾
أي: ليتهم يعلمون أن الله غفر لي ذنوبي، وجعلني من عباده المكرمين.
هكذا يموت المؤمنون في الدنيا، وتبدأ حياتهم الأجمل في دار البقاء.
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾
ثم يختم الله القصة بعبرة جليلة:
لم يحتج الله إلى إرسال جندٍ أو ملائكةٍ ليهلكهم، فهلاكهم كان بأمرٍ واحد، بصيحةٍ من السماء، فماتوا جميعًا دفعة واحدة، كالنار التي خمدت بعد لهبٍ.
العبرة:
أن من يكذّب المرسلين ويستكبر عن دعوة الله يُهلكه الله بأهون سبب، وأن المؤمن — وإن قُتل في سبيل الحق — فإن له عند الله حياةً أبديةً وذكرًا طيبًا لا يموت.


سبحان الله من قبل خمس دقائق كنت أقرأها ، جزاك الله خيرا وجعله في ميزان حسناتك
جزاك الله خير