نادرًا ما يكون الإلحاد اليوم موقفًا وُلِد من برهان عقلي هادئ، توصّل إليه صاحبه بعد تأمل طويل. والأصدق أن نقول إن له أسبابًا، وأن هذه الأسباب قلّما تبدأ من الفلسفة.
فكثير ممن انتهوا إلى إنكار وجود الله لم يبدأوا السؤال من: «هل يوجد إله؟»، بل بدأوا من جرح أسبق: دين قاسٍ عاشوه في طفولتهم، أو صورة مشوّهة عن الله رسمها لهم خطاب ديني فقد رحمته قبل أن يفقد منطقه، أو بيئة أطفأت فيهم السؤال قبل أن تتيح له أن يُطرح بحرية.
وقد يكون أكثر ما يؤلم في هذه التجارب أن الإنسان لا يرفض أحيانًا ما فَهِمه من الدين فحسب، بل يرفض الدين نفسه؛ لأنه لم يتلقّه بوصفه رحمة وهداية، وإنما تلقّاه في صورة خوف دائم، أو قسوة، أو تحريم بلا فهم، أو سلطة بشرية تتحدث باسم الله.
وهنا يقع الخلط الأكبر: بين الدين كما أنزله الله، وبين الإنسان الذي قد يسيء فهم الدين أو يسيء تطبيقه.
فالإسلام، في جوهر رسالته، لا يقدّم الله للإنسان بوصفه إلهًا ينتظر زلّته لينتقم منه، بل يفتح له باب التوبة كلما أخطأ، ويكرر في القرآن وصف الله بالرحمة والمغفرة، ويجعل الرجوع إليه ممكنًا ما دام الإنسان حيًّا.
لكن ماذا لو كان الإنسان قد تعرّف إلى الدين من خلال شخص قاسٍ؟ أو أسرة جعلت الدين أداة للعقاب؟ أو خطاب لم يعرّفه إلا بالحرام والعقوبة، ولم يعرّفه بالرحمة والمغفرة والحكمة؟
حينها قد يخرج الإنسان وهو يظن أنه هرب من الله، بينما هو في الحقيقة كان يهرب من صورة بشرية عن الله لم تكن هي الله أصلًا.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: أن نفهم لماذا ترك الإنسان الدين، وأن نبحث هل ما انتهى إليه صحيح أم لا. فالتجربة الشخصية قد تفسّر الطريق الذي سلكه الإنسان، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات صحة النتيجة التي وصل إليها.
وحتى انتشار الإلحاد في أوروبا، حين يُدرس بعيدًا عن الشعارات، يعود في جزء كبير منه إلى تراكم تاريخي من صدام الكنيسة مع العلم والحرية الفردية، لا إلى اكتشاف فلسفي طارئ يهدم فكرة الألوهية من أساسها.
ومن هنا نصل إلى سؤال آخر يتكرر في الخطاب الإلحادي المعاصر: إذا تحرر الإنسان من الدين، فهل يجد في اللذة والمتعة غايته القصوى وسعادته الكاملة؟
اللذة لم تُغنِ سليمان، فكيف تُغني غيره؟
من أكثر الفرضيات رواجًا في الخطاب الإلحادي المعاصر أن الإنسان، لو تحرر من الدين، سيجد في اللذة والمتعة غايته القصوى وسعادته الكاملة.
وهنا مثال يهدم هذه الفرضية من جذورها: امتلك سيدنا سليمان عليه السلام كل ما يمكن أن يحلم به إنسان؛ الملك، والمال، والجمال، والسلطة التي آتاه الله إياها على الإنس والجن والريح.
فلو كانت اللذة نهاية البحث الإنساني عن المعنى، لكان سليمان أَولى الناس بأن يجد في نعيمه غنًى يعفيه عن التفكير في خالقه.
لكن الذي حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ فكل هذا النعيم لم يزده إلا يقينًا وشكرًا وانكسارًا لله.
فإذا كان الامتلاء المادي، في أعلى صوره الممكنة، لم يُغنِ سليمان عن الإيمان، فكيف يُفترض أن تُغني اللذة المحدودة إنسانًا عاديًا عن سؤاله عن معنى وجوده؟
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بالمتعة وحدها، بل يتجاوزها إلى السؤال الأعمق: ما الذي يجعل حياة الإنسان ذات معنى أصلًا؟
حين يُختزل الإنسان في البقاء، ماذا يبقى للأخلاق؟
من هنا ننتقل إلى مسألة أعمق: إذا كان الإنسان مجرد كائن تحكمه قوانين البقاء والتكاثر، فمن أين تأتي القيم الأخلاقية التي نقول عنها إنها صواب أو خطأ بصورة مطلقة؟
فالانتقاء الطبيعي لا يعرف عدلًا ولا ظلمًا؛ هو يصف ما يحدث في الطبيعة، ولا يقدّم بحد ذاته حكمًا أخلاقيًا على ما ينبغي أن يحدث.
ومن هنا، إذا جُعل «البقاء للأصلح» مرجعًا أخلاقيًا لا وصفًا بيولوجيًا، يمكن أن يتحول وصف الطبيعة إلى تبرير للقوة وإقصاء الضعيف، وكأن ما يحدث في الطبيعة يصبح بالضرورة ما ينبغي للإنسان أن يفعله.
وهذا بالضبط ما جعل بعض التيارات التي استلهمت من فكر داروين تنزلق نحو خطاب أقرب إلى تبرير القوة منه إلى العدل.
لكن الإنسان يشعر في أعماقه أن هناك فرقًا بين ما هو موجود وبين ما ينبغي أن يكون.
فالظلم قد يحدث، والقوة قد تنتصر، والأضعف قد يُهزم، لكننا لا نقول لمجرد حدوث ذلك: «إذن هو حق».
ومن هنا يظهر السؤال: إذا كنا نؤمن فعلًا بأن بعض الأفعال شرٌّ في ذاتها، فمن أين جاءت هذه القيمة الأخلاقية التي تتجاوز مجرد رغبة الفرد أو مصلحة الجماعة؟
سؤال : خطأ بالنسبة لأي مرجعية؟
كل الأديان، على اختلاف شرائعها، تحرّم أشياء وتُحلّل أخرى، وتكاد تُجمع على تحريم الاغتصاب مثلًا، انطلاقًا من مرجعية ثابتة تعلو على هوى الفرد وظرف الزمان.
وفي الإسلام تحديدًا، لا تُترك الأخلاق لأهواء البشر وحدها؛ فالإنسان مسؤول عن أفعاله أمام الله، والعدل ليس مجرد اتفاق اجتماعي قابل للتبدل متى تغيّر مزاج المجتمع.
فهل يملك الإلحاد، كفلسفة قائمة بذاتها، الأداة نفسها؟
حين يقول الملحد إن الاغتصاب خطأ، فهو محق بلا شك، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: خطأ بالنسبة لأي مرجعية ثابتة تعلو فوق الفرد والمجتمع والزمن؟
فإن كانت الأخلاق عنده نتاج توافق اجتماعي متغيّر أو غريزة تطورت لحفظ النوع، فإن السؤال يبقى قائمًا: لماذا يجب أن ألتزم بهذا الحكم الأخلاقي حتى حين يتعارض مع مصلحتي؟
وهذا الفراغ في المرجعية له أثر يتجاوز النقاش النظري؛ فحين يغيب المعيار الثابت، تتفاوت الأحكام حتى في القضايا التي يُفترض أنها بديهية.
فقد أظهرت استطلاعات أُجريت في أوروبا حول هذه المسألة أن نسبة قريبة من نصف الرجال لم تجد مشكلة أخلاقية حقيقية في إساءة معاملة المرأة ما دام الأمر لن يترتب عليه عقاب أو مساءلة.
وهذا التفاوت في الحكم الأخلاقي على قضية بهذا الوضوح ليس دليلًا على فساد الأفراد بقدر ما هو دليل على أهمية وجود مرجعية أخلاقية ثابتة يُحتكم إليها فوق الرأي الفردي والمزاج الاجتماعي؛ فالخوف من العقاب وحده لا يصنع ضميرًا.
وإذا كان السؤال الفلسفي مهمًا، فلا ينبغي في المقابل أن نهمل الجانب الإنساني الذي يقف خلف كثير من التجارب الفردية.
فمن اللافت أن من درسوا ظاهرة الخروج من الدين عن قرب، لا من خارجها، خرجوا بنتيجة مشابهة.
فالباحث سايمون كوتي، الذي كتب عن المسلمين الذين تركوا الإسلام، وجد أن الدافع خلف كثير من هذه الرحلات نادرًا ما كان برهانًا فلسفيًا باردًا يقتنع به العقل وحده، بل كان في الغالب مزيجًا من تجربة شخصية مؤلمة، وشعور بالاغتراب عن المجتمع الديني المحيط، وتراكم أسئلة لم تجد من يستمع لها بجدية قبل أن تتحول إلى قناعة كاملة.
وهذا يعيدنا إلى النقطة الأولى: أن الانتقال من الإيمان إلى إنكاره نادرًا ما يكون قفزة عقلية واحدة، بل غالبًا ما يكون طريقًا طويلًا يتقاطع فيه الفكري بالنفسي والاجتماعي.
ولذلك فإن التعامل مع الملحد بالسخرية أو الاحتقار ليس جوابًا، كما أن التعامل مع الدين نفسه بوصفه سبب كل تجربة مؤلمة ليس إنصافًا.
فقد يكون الإنسان قد تأذى فعلًا، وقد يكون ما عاشه قاسيًا فعلًا، لكن صدق الألم لا يعني بالضرورة صحة التفسير الذي بُني عليه.
قد يكون ما كرهه الإنسان هو القسوة التي عاشها باسم الدين، لا الدين نفسه.
وقد يكون ما رفضه هو صورة الله التي رسمها له بشر، لا الله الذي يعرّف نفسه في الوحي.
وهنا يصبح البحث الحقيقي ليس: «كيف نُسكت هذا الإنسان؟»، بل: ماذا لو كان قد ترك شيئًا لم يكن يعرفه أصلًا كما هو؟
وهذا الطريق له كلفة حقيقية لا يجوز التقليل منها؛ فالانتقال إلى موقف اللاعقيدة ليس محايدًا في أثره على صاحبه.
كثيرون ممن ساروا فيه وجدوا أنفسهم في شقاء لم يتوقعوه: عزلة عن الأهل والمجتمع، وشعور بالغربة الوجودية بعد أن فقد الكون عندهم معناه ومركزه.
وفي حالات متطرفة وموجعة، بلغت المعاناة ببعضهم حدًا قاسيًا حين لم يجدوا للألم تفسيرًا يحتملونه.
وهذه ليست دعوة لتخويف أحد من التفكير، فالتفكير حق، لكنها تذكير بأن للأفكار الكبرى، حين تُتبنى دون تروٍّ، ثمنًا نفسيًا ووجوديًا حقيقيًا، وأن من يطرح على نفسه سؤال الإيمان من حقه أن يعرف حجم ما يقف عليه قبل أن يقفز.
ومع ذلك، لا يصح أن نجعل هذه المعاناة وحدها دليلًا على بطلان الإلحاد، كما لا يصح أن نجعل سعادة بعض المؤمنين دليلًا مستقلًا على صحة الإيمان؛ فالتجارب الإنسانية، مهما كانت مؤثرة، لا تقوم مقام البرهان.
في النهاية، ليست العبرة في إثبات أن كل ملحد شقي، أو أن كل مؤمن سعيد؛ فالواقع أعقد من هذا التبسيط.
وليست العبرة كذلك في أن كل من ترك الدين كان دافعه نفسيًا، أو أن كل ملحد لم يفكر في المسألة فلسفيًا.
العبرة أن نعيد ترتيب الأسئلة.
فقد يبدأ الإنسان من الألم، ثم يبحث عن تفسيره. وقد يبدأ من سؤال فلسفي، ثم يبحث عن جوابه. لكن في الحالتين، لا ينبغي أن يكون الجرح هو الذي يقرر الحقيقة.
لأن الحقيقة لا تتغير بحسب من أحبها أو كرهها، ولا تصبح فكرة باطلة لأن أحدًا أساء تمثيلها، كما لا تصبح فكرة صحيحة لمجرد أنها منحت صاحبها شعورًا بالراحة.
ولهذا يبقى السؤال :
هل الإيمان بالله حقيقة يمكن البرهنة عليها، أم أن الإلحاد هو التفسير الأكثر اتساقًا للوجود؟
وهذا السؤال تحديدًا هو الذي سنبدأ منه.
وما هذا المقال إلا أول الطريق، وما بقي — بإذن الله — سيأتي تباعًا.


لكن يعني حتى صورة الله التي شوههوها تأدي الى الإلحاد؟
انا حقيقة كل هدا تشويه جرى لي من قبل بسبب شيوخ والعائلة وكدلك معا معاناتي من وسواس القهري اتجاه الدين لكن سبحان الله انعم علي بمعرفته اكتر ودلك من خلال معاني القران و سيرة النبي
كافي ووافي لمن أراد التفكر والأخذ بأسباب فعلاً تهديه إلى الطريق الصحيح، أحسنتي كما يمكن الاستعانة بـ ذاكر نايك للفائدة لدحض ما أراد الملحدون من إثباته.