تفسير مفصل للآيات الأولى من سورة البقرة على منهج ابن كثير
1﴾ الم
هذه الحروف المقطّعة افتتاحٌ لبعض السور، ومعناها الحقيقي يعلمه الله،
ومقصودها: التنبيه إلى إعجاز القرآن، إذ هو مؤلَّف من حروف يعرفها العرب ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.
﴿2﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
القرآن هو الكتاب الحق الذي لا مجال للشك في صدقه،
وهو هدايةٌ تامة لمن يخاف الله ويتّقيه.
﴿3﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ…
صفات المتقين:
– يؤمنون بكل ما غاب عن حواسهم من أمر الله: الملائكة، اليوم الآخر، الجنة، النار…
– ويقيمون الصلاة على وجهها الصحيح.
– وينفقون من رزق الله في الخير والصدقات.
﴿4﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ…
يؤمنون بالقرآن وبالكتب التي نزلت على الأنبياء قبلك،
ولا يفرّقون بين رسل الله،
ويقينهم بالآخرة يقينٌ ثابت لا تردد فيه.
﴿5﴾ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى…
هؤلاء هم الذين ثبتوا على طريق الهداية،
وهم وحدهم الفائزون في الدنيا والآخرة.
﴿6﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا…
الكفار الذين أصرّوا على الكفر،
سواء حذّرتهم أم لم تحذّرهم لا يؤمنون؛
لأنهم أغلقوا قلوبهم أمام الحق عنادًا.
﴿7﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ…
ختم الله على قلوبهم وسمعهم بسبب إعراضهم،
وجعل على أبصارهم غطاءً يمنعهم من رؤية نور الحق،
ولهم عذاب عظيم.
﴿8﴾ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا…
بعض الناس يُظهر الإيمان ويُخفي الكفر، هؤلاء هم المنافقون.
﴿9﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ…
يظنون أنهم يخدعون الله والمؤمنين،
لكنهم يخدعون أنفسهم وهم لا يشعرون.
﴿10﴾ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ…
في قلوبهم مرض النفاق والشك،
فزادهم الله عقابًا جزاءً لكذبهم،
ولهم عذاب مؤلم.
﴿11﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا…
إذا نُصحوا بترك الفساد قالوا: نحن مصلحون.
وهم في الحقيقة أهل الفساد.
﴿12﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ…
الله يقرر حقيقة أمرهم: هم المفسدون،
لكنهم لا يشعرون بضلالهم.
﴿13﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا…
إذا قيل لهم آمنوا كإيمان الصحابة،
قالوا ساخرين: أنؤمن كإيمان السُّفهاء؟
والحقيقة: هم السفهاء ولكنهم لا يدرون.
﴿14﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا…
إذا قابلوا المؤمنين قالوا: آمنا،
وإذا خَلَوا إلى شياطينهم قالوا: نحن معكم، إنما نستهزئ.
﴿15﴾ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ…
الله يجازيهم على استهزائهم،
ويمدّهم في ضلالهم ليزدادوا حيرة.
﴿16﴾ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ…
استبدلوا الهدى بالضلال،
فلا ربحوا، وكان سعيهم خسرانًا مبينًا.
﴿17﴾–﴿20﴾ أمثلة المنافقين
﴿17﴾ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا…
مثلٌ يصوّر حالهم:
أوقدوا نارًا فأضاءت قليلًا، ثم ذهبت،
فبقوا في ظلمات—أي: نور إيمانهم الظاهري زائل.
﴿18﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ…
لا يسمعون الحق سماع قبول،
ولا ينطقون به،
ولا يبصرونه.
﴿19﴾–﴿20﴾
مثل آخر:
تركهم في ظلمات ورعد وبرق
خوف واضطراب وحيرة،
كلما أضاء لهم شيءٌ من منفعة أقبلوا،
وإذا جاءت الشدة توقفوا وجبنوا.
﴿21﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ…
نداء لكل البشر:
اعبدوا ربكم الذي خلقكم وخلق الذين قبلكم،
لعلّكم تتقون.
﴿22﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا…
الله ذَكَر نعمه:
– جعل الأرض ممهَّدة للحياة،
– وجعل السماء سقفًا محفوظًا،
– وأنزل المطر،
– وأخرج به الثمرات رزقًا لكم.
فلا تجعلوا معه شركاء وأنتم تعلمون أنه الخالق وحده.
﴿23﴾ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ…
إن كنتم تشكّون في القرآن،
فأتوا بسورة واحدة من مثله،
واستعينوا بكل من شئتم.
هذا تحدٍّ عجز عنه البشر كلهم.
﴿24﴾ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا…
إن لم تأتوا و لن تأتوا—
فاعلموا أن النار التي وقودها الناس والحجارة مُعدّة للكافرين.
البشارة للمؤمنين
﴿25﴾ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا…
بشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات:
لهم جنات تجري من تحتها الأنهار،
كلما رزقهم الله منها قالوا: هذا مثل ما رُزقنا قبل—يشبهه في الصورة لا في الطعم،
ولهم أزواج مطهّرات من كل نقص،
وهم خالدون فيها أبداً.
﴿26﴾
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ
التفسير:
الله لا يمتنع عن ضرب الأمثال بأي مخلوق، ولو كان صغيرًا كالـبعوضة، أو ما هو أصغر منها، لأن الحكمة لا تتعلّق بكِبَر الشيء أو صِغره، بل بمعناه ومغزاه.
فالمؤمنون حين يسمعون هذه الأمثال يعلمون أنها حقٌّ من عند الله، وأن وراءها حكمة.
أما الكافرون فيعترضون ويقولون: ما الحكمة من ذكر مخلوق صغير كهذا؟
فيردّ الله بأن هذه الأمثال تكون سببًا في ضلال فئةٍ مستحقة للضلال بسبب فساد قلوبها، وتكون سببًا لهداية آخرين يستحقون الهداية.
ولا يضلّ الله بالأمثال إلا الخارجين أصلًا عن طاعته.
﴿27﴾
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
التفسير:
الفاسقون هم الذين ينقضون عهد الله:
– وهو الإيمان به، والعمل بما أمر.
ويقطعون ما أمر الله بوَصلِه، كصلة الأرحام وروابط الإيمان.
وينشرون في الأرض الفساد من ظلم ومعصية.
وهؤلاء هم الخاسرون حقيقة؛ خسروا الدنيا والآخرة.
﴿28﴾
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
التفسير:
تعجّب واستنكار: كيف تكفرون بربٍّ أوجدكم من العدم؟
كنتم أموتًا لا حياة لكم قبل الولادة، ثم أحياكم، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة للحساب، ثم تكون رجعتكم إليه وحده.
فمن يحيي ويميت ويرجع إليه الخلق هو المستحق للعبادة وحده.
﴿29﴾
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
التفسير:
الله خلق لكم ما في الأرض كلها انتفاعًا ومعاشًا.
ثم قصد إلى خلق السماء من دخان، فسواهن سبع سماوات مرتّبة محكمة.
وهو عليم بكل شيء: خلقًا وتقديرًا وتدبيرًا
﴿30﴾
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…
التفسير:
يخبر الله نبيه عن قولٍ قاله للملائكة: إنه سيجعل في الأرض مخلوقًا يعمّرها جيلاً بعد جيل.
استفهمت الملائكة: أتجعل فيها من سيفسد ويسفك الدماء كما فعلت مخلوقات قبل آدم؟
ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟
فأجابهم الله بأن له حكمة علموها بعد ذلك:
﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿31﴾
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا…
التفسير:
شرّف الله آدم بأن علّمه أسماء الأشياء كلها، مسمّياتها وصفاتها، علمًا لم يُعطَه الملائكة.
ثم عرض هذه المسميات على الملائكة امتحانًا لهم.
﴿32﴾
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا…
التفسير:
أقرّت الملائكة بعجزها، وقالت: لا علم لنا إلا ما علمتنا يا رب، فأنت العليم الحكيم.
﴿33﴾
قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ…
التفسير:
أمر الله آدم أن يخبر الملائكة بالأسماء، فتفوّق عليهم بالعلم الذي أعطاه الله.
فقال الله للملائكة: ألم أقل لكم إني أعلم سرّكم وعلانيّتكم وما تخفونه؟
﴿34﴾
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ…
التفسير:
أُمر الملائكة بالسجود لآدم سجود تكريم لا عبادة، فسجدوا جميعًا.
إلا إبليس، أبى واستكبر وكان من الكافرين الخارجين عن طاعة الله.
﴿35﴾
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ…
التفسير:
أسكن الله آدم وزوجه الجنة، وأباح لهما النعم كلها،
ونهى عن الاقتراب من شجرة معيّنة لئلا يكونا ظالمين.
﴿36﴾
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا…
التفسير:
أوقعهما الشيطان في الزلل بالوسوسة، فأكلا من الشجرة،
فأنزلهما الله إلى الأرض دار ابتلاء،
وأخبرهم أن لهم فيها مقامٌ متاعٌ إلى وقت معلوم.
﴿37﴾
فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ…
التفسير:
أوحى الله إلى آدم كلمات توبة—وهي:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا…﴾
فتاب الله عليه، لأنه توّابٌ رحيم.
﴿38﴾
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى…
التفسير:
أخبر الله آدم وذرّيته: ستنزلون جميعًا إلى الأرض،
وسيأتيكم من الله هداية.
فمن اتبع هذا الهدى—كتبه ورسله—فلا خوف عليه ولا حزن.
﴿39﴾
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا…
التفسير:
أما من كفر وكذّب بالآيات، فأولئك أصحاب النار، ملازمون لها أبدًا.
﴿40﴾
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ…
التفسير:
خطابٌ خاص لبني إسرائيل:
اذكروا نعم الله عليكم في التاريخ كله،
وأوفوا بعهدي من الإيمان والطاعة،
أوفِ بعهدكم من الكرامة والثواب،
واتقوني وحدي ولا تعصوا أمري.


بارك الله فيك ممكن اسم الكتاب لتفسير ابن الكثير
و شكرا ♥️
لوتكرمت نريد بقيه الافسير لسوره البقره