إدراك الوقت: كيف نشعر بمروره؟ وهل نُزِعت البركة من أعمارنا؟
يشكو الإنسان المعاصر شعورًا متكررًا بأن الوقت يمر سريعًا، وأن الأيام تنفلت من بين يديه دون إنجاز يُوازي مرورها. فيتساءل: هل تغيّر إدراكنا للوقت؟ أم أن البركة نُزعت من أعمارنا؟ أم أن الخلل في وعينا لا في الزمن ذاته؟
أولًا: كيف يدرك الإنسان مرور الوقت علميًا؟
الوقت من الناحية الفيزيائية ثابت لا يتغير، لكن إدراكه النفسي نسبي، يخضع لعمل الدماغ والانتباه والذاكرة.
علم النفس العصبي يبين أن الدماغ لا يملك “ساعة داخلية” دقيقة، بل يقدّر الزمن بناءً على:
الانتباه: كلما كان الإنسان حاضر الذهن، واعيًا بما يفعل، شعر ببطء الوقت. وكلما كان مشتتًا، غارقًا في التنقل السريع بين المهام، مرّ الوقت دون أن يُحَسّ.
الذاكرة: الزمن لا يُقاس أثناء العيش فقط، بل عند التذكّر. الأيام المليئة بالتجارب المتنوعة تُسترجع أطول، بينما الأيام المتشابهة الرتيبة تُستعاد كأنها لحظة واحدة.
ولهذا يشعر الطفل بأن اليوم طويل، بينما يشعر البالغ أن السنة تمر كلمح البصر؛ لأن حياة الطفل مليئة بالاكتشاف، وحياة البالغ غالبًا مكررة.
ثانيًا: هل نُزعت البركة من الوقت؟
من المنظور الشرعي، البركة ليست زيادة عدد الساعات، بل زيادة الأثر والثمار في الزمن المحدود.
وقد أخبر النبي ﷺ أن من أشراط الساعة: تقارب الزمان،
وفسّره العلماء بأنه شعور الناس بسرعة مروره وقلة نفعه، لا قصره الحسي.
وهذا لا يعني أن البركة رُفعت مطلقًا، بل أن أسبابها تُركت.
فالبركة مشروطة، لا عشوائية.
ثالثًا: كيف تُسلب البركة نفسيًا دون أن نشعر؟
هناك عوامل معاصرة تفسد الإحساس بالوقت وتُضعف ثماره، منها:
التشتت الرقمي: التنقل المستمر بين الشاشات يُجزّئ الانتباه، فيمر اليوم دون عمق.
العيش بلا نية: الأعمال غير المقصودة تُستهلك ولا تُثمر.
الاستعجال الدائم: من عاش مستعجلًا عاش سطحيًا.
غياب الحضور القلبي: الجسد يعمل، والعقل غائب، والقلب معلق بشيء آخر.
وهذا كله لا يُضيع الوقت فقط، بل يُفرغه من معناه.
رابعًا: كيف يبارك الله في أوقاتنا؟
الشرع والعلم يلتقيان هنا التقاءً واضحًا:
النية النية تجعل الفعل الواحد عبادة، وتحوّل العادة إلى طاعة. ما يُنجز بنية واعية يُعاش بعمق ويُحفظ أثره.
التركيز فعل واحد متقن خير من عشرة أفعال مشتتة. البركة لا تسكن الضجيج.
الذكر والصلاة الذكر يُعيد الإنسان إلى الحاضر، والصلاة تُنظم اليوم حول معنى لا حول مهام.
تنويع التجربة التعلّم، التأمل، القراءة، المشي، الصمت… كلها تُكثّف الذاكرة، فيطول الإحساس بالحياة لا بعددها.
القناعة بالزمن من عاش ساخطًا على وقته، ضاع وقته. ومن رضي به، أُعين عليه.
خلاصة
الوقت لم يتغير، لكننا تغيّرنا.
والبركة لم تُسلب قهرًا، بل تُرفع إذا رُفعت أسبابها.
فالبركة ليست معجزة تُنتظر،
بل ثمرة وعي، وحضور، وصدق نية،
ومن أحسن الوقوف في لحظته، طال عمره بمعناه وإن قصر بعدده


مقالك جميل ، ويتحدث عن قضية كثير من الناس يتحدثون عنها اليوم وهم غير واعين بما يتحدثون ، بارك الله بك 🤍 .
👍🏻❤️