تفسير سورة يس
✦ بسم الله الرحمن الرحيم ✦
ها أنا أفتتح بين أيديكم سلسلةً مباركة،
أجعلها في كلّ يوم جمعة،
أقف فيها مع سورةٍ من سور القرآن العظيم،
أتدبّر آياتها، وأفسّر معانيها،
علّ الله أن يفتح لي ولكم من أنواره وفهم كتابه.
وها أبدأ هذه السلسلة بـ تفسير سورة يس – قلب القرآن،
راجيةً من الله القبول والإخلاص،
وأن يجعلها عملًا خالصًا يُرفع في ميزان الحسنات.
🤍 دعواتكم لي بإتمام السلسلة، وأن يُبارك الله فيها
ها هو بين أيديكم أول تفسير، نبدأه على بركة الله:
يس(١)
هي من الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور مثل طه والم
والمعنى الأرجح: أنها إشارة إلى إعجاز القرآن، أي أن هذا الكتاب العظيم مؤلّف من هذه الحروف التي يعرفها العرب، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.
{وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)
الواو هنا قسم، أي: أقسم الله بالقرآن الموصوف بالحكمة؛
أي هو كلام متقن محكم في ألفاظه ومعانيه، لا خلل فيه ولا تناقض، يحكم بين الناس، ويهدي إلى سواء السبيل.
فالقَسَم بالقرآن يدل على عِظَم شأنه، وأن ما بعده أمر جليل.
ِ(انَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)
جواب القسم، أي: والله إنك يا محمد لمن المرسلين حقًّا.
إثباتٌ صريح لرسالة النبي ﷺ في وجه من كذّبه.
وفيها تأكيدان: “إنّ” و“اللام”، وكلاهما يقوي المعنى ويُثبّت الرسالة أمام المكذبين.
{عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
أي: على طريق واضح مستقيم، لا ميل فيه عن الحق.
أي أنك يا محمد على منهج الله القويم، لا على هوى ولا ضلال.
وهذا وصفٌ فيه طمأنينة للمؤمنين، وتحدٍّ للمكذّبين.
{تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ)
أي أن هذا القرآن الذي جئتَ به نزل من عند العزيز الذي لا يُغلب، والرحيم الذي رحم عباده بإرسال رسوله وإنزال كتابه.
فجمع بين صفتين متقابلتين: العزة والرحمة، ليبيّن أن الله يُرسل بالحقّ رحمةً لا قهرًا.
(ِلتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)
أي: أُرسلت لتخوّف قومًا لم يأتِهم نذير قبلك منذ زمن طويل، فأصبحوا في غفلة عن الحق.
أي أن العرب في زمن الجاهلية كانوا بلا رسول منذ قرون، فبعث الله محمداً ﷺ ليعيد إليهم النور.
(لقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ)
أي: وجب عليهم العذاب بكفرهم، بعدما قامت عليهم الحجة.
“القول” هنا هو وعد الله بالعذاب لمن كفر.
أي أن أكثر الناس لن يؤمنوا رغم وضوح الدليل.
{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا…)
أي: قيّدنا قلوبهم عن الفهم كما تُقيَّد الأيدي بالحديد.
“فهي إلى الأذقان فهم مقمحون” أي مرفوعو الرؤوس لا يستطيعون الالتفات للحق، كالمغلول الذي لا يقدر أن يحني رأسه.
صورة بصرية قوية تدل على تجمّد قلوب الكفار عن التواضع للحق.
َ(جَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا…)
أي: حجبناهم عن رؤية الحق، سواء من أمامهم أو من خلفهم، فهم في ظلمات الجهل من كل اتجاه.
فلا يبصرون نور الهدى ولو سطع أمامهم.
( وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
أي: لا فرق عندهم بين التحذير وعدمه، لأن قلوبهم مغلقة وأعينهم مطموسة.
ليس لأن الدعوة ضعيفة، بل لأن القلوب ماتت من العناد.
ِ(انَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ…)
أي: إنما ينتفع بإنذارك يا محمد من آمن بالقرآن وسار على هداه،
واتّبع “الذِّكر” أي القرآن لأنه يذكّر القلوب بالله.
(وخشِيَ الرحمن بالغيب)
أي: خاف الله وهو لا يراه، خشيه في السر كما يخشاه في العلن.
هذا هو الإيمان الحقيقي: أن تخاف الله دون أن يراك أحد
{فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)
أي بشّره بمغفرة تمحو ذنوبه، وجزاء كريم في الجنة.
لاحظ: “كريم” هنا تشمل المعنى المادي والروحي؛
نعيم، ورضا، وكرامة من الله.
ِ( إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى)
أي: نحن وحدنا نقدر على إحياء الموتى، وهي قدرة لا يملكها أحد غير الله.
تذكير للكافرين بأن إنكارهم للبعث باطل،
فمن خلقهم أول مرة قادر على إعادتهم
َ(نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)
أي: نكتب أعمالهم التي عملوها في حياتهم،
وآثارهم التي تركوها بعد موتهم: من علمٍ نافع، أو صدقة جارية، أو أثر سيّئ يتبعه الناس.
فكل خطوة، وكل كلمة، تُكتب
{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ}
أي: كل شيء مسجَّل في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ.
لا يغيب عن علم الله شيء، لا صغير ولا كبير.
تم بحمد لله اول صفحة من سورة يس
أُكمل الجمعة القادمة ان شاء الله 🤎.



أحسن الله إليك
الله يجعلها في ميزان حسناتك ✨🌹